أمران أحلاهما مر أن يسكت شعب منهك بفعل الجوع والتخلف وتمزق الكيان ، فيموت هما وغما ونكدا ، أو يسير فى ركب الثائرين ، ولن يكون قادتنا المخلصين أذكى ، ولا أحرص على حقن الدماء ، ولا أزهد فى السلطة من سابقيهم فى البلدان الأخرى، فبالأمر الأول تظل البلاد تحت رحمة قانون الغاب الذى لا مكان فيه الا لجلاد ، أو ناهب ، أو مغتصب حق عام ، وبالأمر الثاني تعم الفوضى التى من شأنها أن تترك مشاهد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية كارثية تجعل الولدان شيبا، اذ البلاد يقودها عسكريون ببدلاتهم انشغلوا بالسياسة وعالم المال والأعمال عن واجباتهم الأمنية فظل المشهد الأمني بين مطرقة عمليات القاعدة وسندان المطالبين بحقوقهم والمطالبين بغير حقوقهم من قتلة وسراق ومغتصبين .
فى كل مرة يخرج المطالبون بحقوقهم ينظمون المسيرات ن وينصبون الخيام وفى أحسن الحالات يخرج إليهم كذاب أشر من القصر الرمادي ، أو احد المرافق الحكومية ويعدهم وعودا تجعل عرقوبا من أوفى الأوفياء ، هذا اذا لم يخرج إليهم رجال الأمن بآليات قمعهم التى لا تعمل الا فى ظهور الشعب الأعزل، وفى كل عام يخرج أبو الهول فى لقاء جذاب العنوان ، أجوف المحتوى ، وبعد يومين من بث البرنامج تعود حليمة الى عادتها ، فيطاول ارتفاع الأسعار عنان السماء ، ويخترع العابثون بالمال العام طرقا أخرى للنهب والسرقة ، ويلبس العمل السياسي المافيوي حلة أخرى جديدة ، مرة تحت شعار الدعوة الى الحوار ، ومرة فى شكل قوانين ومراسيم تهدف الى توسيع فضاء الحريات ، والعنوان الذى يصوغه الشعب على هذه المسرحيات والألاعيب هو : التدجين وسرقة الأحلام .
هم يعولون على تفشى الجهل والأمية والتخلف فى شعب أعزل مدجن لا يستطيع أن يحرك ساكنا ، وما دروا أن كل انسان مهيأ لأن يصنع منه شح الأيام ثائرا جبارا عنيدا لا يشق له غبار فى سبيل المطالبة بحقوقه ، ومن الصعب أن يعود بخفي حنين :
واذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جبانا
صحيح أنه بحكم الموقع الجغرافي الحساس ، وبحكم ضعف الأجهزة الأمنية ، وأزمة الضمير فى كادرها البشري ، قد تكون الثورة فى بلد مثل بلدنا مسوغا لانفلات أمني لا تحمد عقباه ، اذ أن عناصر القاعدة يتربصون الدوائر بالكل ، والحاكمون ينذرون المحكومين لقاء يومهم ذاك ، أما الراغبون فى النهب والهجرة الى الفردوس الأوروبي المتعثر فموريتانيا هي ميدانهم وجسرهم المفضل ، ناهيك عن أسود الانتهازية من رجال أعمال مخربين ، وساسة أنانيين لا هم لهم الا المتاجرة بالضمائر ، والتلاعب بحقوق المواطنين ، فى إطار ما يعرف بالمافيوية السياسية ..
لكننا والحال هذه هل يمكن أن نرجو من حكامنا أحد أمرين على الترتيب لا التخيير : إما سيطرة الحكمة والاتعاظ بالغير ، فيعودون الى ثكناتهم وثغورهم فى محاولة لإحكام القبضة على الملف الأمني وينظمون انتخابات يصل بموجبها مدني الى هرم السلطة ، ويتركون له الفرصة كاملة دون أن تكون لهم مرآة خلفية ينظرون إليها صباح مساء ، وإما الاعتبار بالحكام الذين فهموا اللعبة وحاولوا - وان باستحياء - التجاوب مع مطالب شعوبهم التى من أهمها التعبير عن عدم نية البقاء فى السلطة الى أرذل العمر وحتى ما بعد الموت عن طريق توريثها ، اضافة الى سرعة الاستجابة الى المطالب المتعلقة بخفض الأسعار - مثلا - ومراجعة الدساتير وحق التظاهر السلمي ... ؟ .
ففى المغرب المجاور بادر الملك الى صياغة دستور جديد يوسع صلاحيات الوزير الأول وتم اعتبار ذلك نية حسنة للتوجه الى عصر المملكة الدستورية ، وفى الجزائر بادر النظام الى طمأنة الطبقة السياسية وإقناع الرأي العام بعدم التفكير فى البقاء فى السلطة اضافة الى لمسات إصلاحية اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية ، أما فى الغرب الإفريقي فقد شهدت السنغال إضرابات لسائقي النقل وتظاهر الشارع السنغالي بسبب ارتفاع بضع فرنكات فى أسعار الوقود سرعان ما احتوتها السلطات بتلبية مطالب المحتجين ، وما خبر الإضرابات والمظاهرات ونتائجهما فى نيجيريا عنا ببعيد ..
كل بلدان المنطقة تأثرت برياح التغيير ، وأريج الربيع العربي العبق ، فبالله عليكم لا تدعوا لعنة الزمن تطاردنا ، واتركونا نطمح على الأقل لتحقيق بعض أحلامنا وان بالتطفل على ما أنجز الآخرون لأوطانهم على الأقل ..